الشيخ السبحاني

220

بحوث في الملل والنحل

أقول : ما ذكره شنشنة أعرفها من كل سلفي يرى الجهاد والكفاح على الظلم والعدوان ، أمراً محرّماً ، والحياة مع الظالمين ومهادنتهم أمراً مشروعاً وسعادة ، فهم حماة الذلّ ، ودعاة الهوان ، وأين هم من أُباة الظلم والضيم . ومن أُصول الطائفة الأُولى : الصبر تحت لواء السلطان على ما كان منهم ، من عدل أو جور ، ولا يخرج عليهم بالسيف وإن جاروا « 1 » وما ذكره على طرف الخلاف مع ما حدّثه السبط الشهيد عن جده رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وذلك عندما اقترب من الكوفة استقبله الحر بن يزيد الرياحي بألف فارس مبعوثاً من الوالي عبيد اللَّه ابن زياد لإكراه الحسين على إعطاء البيعة ليزيد ، وإرساله قهراً إلى الكوفة ، فعند ذلك قام الإمام وخطب بأصحابه وأصحاب الحُرّ بقوله : أيّها الناس إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال : « من رأى سلطاناً جائراً مستحلًا لحُرُمِ اللَّه ناكثاً لعهد اللَّه ، مخالفاً لسنّة رسول اللَّه ، يعمل في عباده بالإثم والعدوان ، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول ، كان حقاً على اللَّه أن يُدخله مدخله ، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد ، وعطلوا الحدود ، واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام اللَّه ، وحرّموا حلاله . . . » « 2 » . كيف يكون جهاده هفوة ، مع أنّ الرسول الأعظم تنبّأ به وأثنى عليه عندما نظر يوماً إلى زيد بن حارثة وبكى وقال : المظلوم من أهل بيتي ، سمي هذا ، المقتول في اللَّه ، المصلوب من أُمتي سمي هذا ، ثمّ قال : ادنُ منّي يا زيد - زادك اللَّه حباً عندي - بأنّك سمي الحبيب من ولدي « 3 » . وقد بكى الوصي وأبكى ، أفيصح العزاء والبكاء على السقطة والزلة .

--> ( 1 ) . أبو الحسين الملطي : التنبيه والرد : 15 . ( 2 ) . الطبري : التاريخ : 4 / 304 . ( 3 ) . أخرجه السيوطي في الجامع الكبير كما في الروض النضير : 1 / 108 .